حرية تكوين الجمعيات في المنطقة الأورو-متوسطية: نظرة عامة


الحل وتعليق النشاط
التنظيم والنشاط
التمويل والنظم الضريبية
المراقبة والإدارة والشفافية
الخلاصة


غسان مخيبر















 

 ملاحظة: نظرا لطول النص، تم تقسيمه لجزئين متتابعين
 
الجزء الأول:
 
إعداد: غسان مخيبر[1]
 
 
"ليس هناك من بلدان تكون فيها الجمعيات ضرورة ملحة لمنع استبداد الأحزاب ، أو تعسف السلطات من تلك المعروفة بديمقراطية نظامها الاجتماعي. ففي الأمم االارسطقراطية  تشكل طبقة النبلاء والأغنياء بطبيعتها جمعيات قادرة على التدقيق في تجاوزات النظام. أما في البلدان حيث تنعدم مثل تلك الجمعيات، ويتعذر على الأفراد تكوين هياكل شبيهة ، ولو كانت مصطنعة ومؤقتة، فلا أرى حينها من حاجز أمام أي شكل من أشكال الاستبداد ، فحتى الشعب الكبير يمكن أن يقهر من قبل حفنة من الأشخاص، أو حتى من رجل واحد"
 
ألكسيس دي توكفيل.
 
 
من المفيد التذكير بالدور الأساسي الذي تلعبه الجمعيات[2] في بناء المجتمع المدني باعتبار أنها تقوم بالأدوار والمهمات التالية :
  • قوى مضادة منظمة في مقابل هيئات الدولة.
  • أحدى أشكال المشاركة الديمقراطية وعامل تدريب للمواطن على المشاركة المدنية.
  • عامل تنمية في المجالين الاقتصادي والاجتماعي.
  • أداة للدفاع عن الحقوق الجماعية والعامة ونشرها.
 
على الرغم من أهمية الدور الذي تلعبه الجمعيات ، ربما بسبب ذلك الموقع الأساسي الذي تحتله في البناء الديمقراطي، قوبلت حرية تكوين الجمعيات إما بالريبة والتوجس أو بالصد من قبل  الأنظمة السياسية. وإلى ذلك فإن الحق في تكوين الجمعيات يعد الفرع القانوني الأقل حظا في اهتمام المحامين ورجال القانون في بلدان عديدة من العالم. وفي هذا الإطار ، نجد جمعيات الأشخاص التي تتميز بصبغتها غير الربحية أقل شهرة ، ولم تحظ بالدراسة كغيرها من الهيئات الشبيهة مثل الشركات.والحصيلة من كل ما تقدم، إن تعريف حرية تكوين الجمعيات باعتبارها إحدى الحريات الأساسية، تعد واحدة من الحقوق الأقل وضوحا ودقة على مستوى القانون الدولي[3].
 
يستعمل حق تكوين الجمعيات في الدول المتوسطية كوسيلة مراقبة سياسية للمجتمعات المدنية، وإن كانت دول شرق المتوسط لا تفصح عن الأسباب الحقيقية للمراقبة، فإن تلك الأسباب تصبح مبطنة لدى دول الجنوب باعتبارها تخفي بالأساس تخوفها من التطور الديمقراطي ، ومن مزاحمتها في مجالات العمل الاجتماعي والتدخل في الحياة العامة، وهي أنشطة قليلا ما تحبذها أو تقبل بها حكومات عديدة في تلك الدول. وهكذا يكون حق تكوين الجمعيات الكاشف الحقيقي لمدى مراقبة الحكومات لمجتمعاتها وفي نفس الوقت أحد أهم المؤشرات على درجة التطور الديمقراطي لأي مجتمع أو دولة.
 
تتصدى هذه الخلاصة لحق تكوين الجمعيات بالتحليل لوضعية البلدان الأوروبية ، وأحد عشر بلدا من شرق وجنوب المتوسط ( الجزائر، مصر، لبنان، إسرائيل، الأردن، ليبيا، المغرب، سوريا، الأراضي الفلسطينية، تونس).
وقبل إجراء تقييم لمختلف التشريعات سوف نقوم بالتالي ،
- تحديد المدى الذي تحظى به حرية تكوين الجمعيات ضمن القانون الدستوري للدول المعنية.
- نحديد مصادر هذا القانون .
- وضعه في إطاره القانوني والاجتماعي والسياسي.
 
1-      حرية تكوين الجمعيات تقع في مرتبة المبدأ الدستوري لدى معظم  بلدان المنطقة الأورو-متوسطية:
 
إن اغلب دساتير بلدان حوض المتوسط (عدا إسرائيل) تقرّ بوضوح بحرية تكوين الجمعيات، وذلك حسب صياغات تقييدية شيئا ما[4].كل الدساتير العربية تُخضغ التمتع بحرية تكوين الجمعيات للحدود المضبوطة بالقانون. من خلال هذا الإجراء والذي هو بمثابة المنفذ القانوني تسعى الأنظمة السياسية لفرض عدد من القيود على الجمعيات، من شأنها انتهاك هذه الحرية الأساسية.
إن الاعتراف بالصبغة الدستورية لإحدى الحريات الأساسية له فائدة عملية ، خاصة في البلدان التي يتوفر فيها آلية مراقبة لدستورية القوانين. ومن ذلك قرار المجلس الدستوري الفرنسي المؤرخ في 16 جويلية 1971، وهو المثال الذي لا يمكن تجاهله بأي حال، والمتعلق بحرية تكوين الجمعيات، حيث بادر بإقرار مبدأ الحرية في تكوين الجمعيات كمبدأ دستوري، قبل أن يصرح بعدم دستورية مواد القانون المعروضة عليه في الغرض.
 
كذلك لا بد من ذكر القرار الشهير الصادر عم المحكمة الدستورية العليا المصرية بتاريخ 1 تموز 2000 والذي اعتمد مبدأ دستورية الحرية في تكوين الجمعيات ليلغي بذلك قانون الجمعيات المصري رقم 153 المصادق عليه من قبل البرلمان المصري سنة 1999. حيث، وبعد عرض مستفيض لأهمية الجمعيات والمكانة التي تحتلها حرية تكوينها في القانون الدولي، اعتبرت المحكمة الدستورية العليا المصرية، قانون الجمعيات كـ"نص مكمل للدستور"، ومن ثم عرض المشروع بداية على مجلس الدولة لإبداء رأيه قبل تقديمه من جديد للبرلمان ، وهو الإجراء الذي ألغي بمقتضاه القانون المذكور (بسبب الإخلال بالإجراءات).
 
2- مصادر التشريعات العربية الخاصة بالجمعيات:
 
لا تعتبر الشريعة أو القانون الإسلامي في بلدان جنوب وشرق المتوسط مصدرا للتشريع في مجال تكوين الجمعيات، باستثناء ما   تعلّق بـ"الأوقاف"، والتي هي شبيهة بـ"المؤسسة" Foundation في النظام الفرنسي أو "المؤسسة الخيرية" حسب النظام البريطاني.
تأثير القانون الفرنسي على نصوص القوانين المتعلقة بالجمعيات: في كامل الإمبراطورية العثمانية، والتي ضمت تاريخيا اغلب البلدان العربية الحالية، نجد ما يعرف بـ"التنظيمات" وهي تشريعات كانت قد سنت تحت تأثير القوى العظمى العالمية والأوروبية بالذات مع بداية القرن العشرين، حيث تكيّف القانون العثماني بحسب مقتضيات قانون الجمعيات الفرنسي لسنة 1901. وحتى بعد سن القوانين الجديدة، تواصل تأثير التقاليد التشريعية الفرنسية – ولو بأشكال باهتة مع الأسف – في أغلب البلدان العربية ، كما في (المغرب والجزائر وتونس بالخصوص). وحافظ لبنان فقط على القانون العثماني لسنة 1909، كقانون عام منظّم لتكوين الجمعيات، مع بعض التعديلات التي أُدخلت عليه سنة 1928 وسنة 1932.
 
تأثير القانون المصري على العديد من التشريعات العربية: ومع سنة 1952 احتل القانون المصري مرتبة المرجع في التشريع لعدد كبير من البلدان العربية المجاورة ومنها سوريا (خاصة منذ إعلان الوحدة سنة 1958) وكذلك الأردن والأراضي الفلسطينية ، واعتبر هذا التأثير للقانون المصري نموذجا في إرساء الانتهاكات الصارخة لحرية الاجتماع ، واعتمد طويلا في التبرير القانوني لقمع المجتمعات المدنية.
 
3- الاتجاهات الراهنة والسياق السياسي والاجتماعي لقانون الجمعيات في بلدان المنطقة الاورو-متوسطية:
 
لا يمكن لنا إجراء تحليل سليم لقانون الجمعيات في مختلف بلدان المنطقة الاورو-متوسطية خارج السياق السياسي والاجتماعي الخاص بتلك البلدان لارتباط كل منهما بالآخر. كما ولا يجوز التعميم بأي حال من الأحوال ، إذ لن يتسنى التقويم الصحيح في المستوى القانوني أو السياسي دون مراعاة خصوصية كل بلد من جملة البلدان المعنية ، لذلك يصبح من المفيد التذكير بما جاء في "الإعلان العربي" من تقييم سلبي للوضع في أغلب البلدان المعنية، حيث تعرض الإعلان لوضع الحريات في البلدان العربية وذكر انه يتسم بـ"غياب الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات الأساسية ، وبسيادة المعايير الأمنية– وإن بنسب متفاوتة –  (..) وهيالخصائص المترتبه نتيجة تعدد القوانين الاستثنائية، ومنها بالخصوص القانون المكرس لحالة الطوارئ، مما يكرس ارتفاع نسبة الفقر والبطالة والتحلل الاجتماعي المصاحب لارتفاع نسبة الأمية"[5].
لهذا المشهد السياسي والاجتماعي، لا بد من إضافة ضعف دولة القانون والسلط الديمقراطية والمؤسسية المضادة (البرلمانات المنتخبة، والقضاء المستقل) وهي عوامل من شأنها أن تطلق العنان للسلطة التنفيذية وللاعتبارات الأمنية، لتقييد حرية الجمعيات ولمخالفة القانون. وفي هذا السياق يتيسر لنا إدراك سبب خشية الأنظمة السياسية من تطور المجتمعات عبر الجمعيات، كسلطة  ديمقراطية مضادة ، قادرة على نقدها أو وضعها محل مساءلة.
 
لهذا الصنف من الاعتبارات العامة وجبت إضافة اعتبارين خاصين بالمنطقة هما :
1- مقاومة الإرهاب، الجمعيات الإسلامية، والخوف من الأصولية الدينية المنظمة، وهي علة تستعمل بحسن أو سوء نية من طرف عديد من الدول (بما فيها الدول الأوروبية) وذلك حتى تبرر أمام الرأي العام الدولي قمعها وتقييدها للجمعيات.
 
2- جمعيات حقوق الإنسان وهي المعتبرة في عديد البلدان العربية، البديل الوحيد الممكن عن قيام معارضة سياسية. ويعد هذا الصنف من الجمعيات من وجهة نظر الأنظمة السياسية العربية كأحد أكبر الأخطار الموجهة إليها. ويكفي لإدراك ذلك استحضار مؤتمر وزراء الداخلية العرب (الهيئة الأكثر نشاطا و فاعلية من باقي مؤسسات الجامعة العربية) الذي اعتبر حركة حقوق الإنسان بمثابة الحركة الخطرة و التي تعهد بمراقبتها عن كثب. إلى ذلك تمرُّ العديد من بلدان المنطقة بمرحلة انتقال ديمقراطي، حيث وجبت الإشارة لبعض التحسينات على المستوى التشريعي كما هو على المستوى القضائي، كما سجلنا عودة الاهتمام بالمجتمع المدني.
 
على الصعيد التشريعي:
 
يشهد قانون الجمعيات تغييرات في عديد من البلدان المعنية.
  • تخطّى التشريع اللبناني محاولتين استهدفتا تحوير قانون الجمعيات في اتجاهات أكثر  تقييدية ، خاصة من خلال اقتراح استبدال الحرية في تأسيس الجمعيات بنظام الترخيص المسبق.
  • في المغرب وفلسطين، تم إقرار قانونين بخصوص الجمعيات يمكن اعتبارهما أكثر تحررية من سابقيهما.
  • بعكس الأردن حيث هناك مشروع قانون هو الآن بصدد الدرس وفي مرحلة المداولات التمهيدية حيث أثار كثيرا من الانتقادات لكونه أشد تقييدا من قانون الجمعيات المعمول به حاليا.
 
على الصعيد القضائي:
لعب القضاء دورا أساسيا في ضبط تعريف حق وحرية تكوين الجمعيات ، وحماية التمتع بتلك الحرية من التدخلات الإدارية وحتى التشريعية الساعية للانتقاص منه. لكن فاعلية القضاء في هذا المجال، تبقى رهينة لمدى استقلاليته، وهي غالبا ما لا تكون على أحسن حال أو مضمونة في كامل بلدان جنوب وشرق المتوسط، حيث نسب استقلالية القضاء تختلف من بلد إلى آخر[6].
ففي لبنان مثلا، لعب كل من مجلس الدولة – وفي فترات معينة – ومحكمة النقض دورا جد مهم لإصلاح عيوب التطبيقات الإدارية ، ولتوضيح الطبيعة الأصلية لوصول (الإعلام والخبر) في اتجاه حماية الحرية في تكوين الجمعيات.
في مصر، لا بد من تسجيل القرار الهام جدا الصادر عن المحكمة الدستورية العليا والمشار إليه سابقا ، وذلك بعد التردد الذي امتد لسنوات طويلة من طرف المحكمة العليا في مادة قانون الجمعيات. كما تجدر الإشارة لاستعادة مجلس الدولة المصري لجرأته حيث أصدر مؤخرا قرارا ذي أهمية، وهو المتعلق بتكوين جمعية ناشطة في مجال حقوق الإنسان.
 
على صعيد المجتمع المدني:
سجلنا التعبئة المتنامية للمجتمع المدني في عديد من البلدان من اجل حماية وتطوير قانون الجمعيات نذكر منها بالخصوص الجهود المبذولة في المجتمع المدني اللبناني والمغربي والمصري ، وكذلك الدور الذي تلعبه الشبكة الأورو-متوسطية لحقوق الإنسان. إلى ذلك، تجدر الإشارة لعدد من الجهود الفكرية المبذولة لتنظير وتعريف المدى والمضمون لحق تكوين الجمعيات من حيث أنه قائم على مبدأ الحرية في بعثها. نذكر في هذا الصدد بالخصوص الأثر الذي أنجزه 18 من الخبراء القانونيين أصل 9 بلدان عربية، بمبادرة "الجمعية من أجل الدفاع عن الحقوق والحريات في لبنان" ومشركة برنامج "بنيان" التابع لمؤسسة "فردريتش نيومان"، وذلك بعد سنتين من الجهد، توجت في 10 تموز 1999 بـ"إعلان المبادئ والمعايير الخاصة بحرية تكوين الجمعيات في البلدان العربية[7]"
 
لغايات التحليل الذي نحن بصدده ، وفي انتظار تطوير مؤشرات أكثر دقة تسمح بقياس مستويات احترام أو انتهاك الحرية في تكوين الجمعيات سوف نقترح اعتماد قياس مدى احترام مبادئ حرية تكوين الجمعيات بالرجوع للتذكير بأهم العناصر الناظمة لها ومن خلال أمثلة تعود لمختلف أقسام البلدان ، مما يسمح بالفرز بين الجيد (والذي سوف نصطلح عليه "نظم الحرية") والأسوأ (وسوف نصطلح عليه "نظم القمع")، من بين النظم والتطبيقات في المجال، أو تلك البلدان الواقعة في منتصف الطريق، فيما بين الحرية والقمع (والتي سوف نصطلح عليها "نظم المراقبة"). وهكذا، نكون قد رتبنا هذا التقويم الأولي كما هو الشأن بالنسبة لكامل التقارير الوطنية الخاصة بكل بلد، حسب 5 محاور كبرى، والمتعلقة بتدخل القانون في حياة الجمعية:
-         التكوين والتسجيل
-         الحل وتعليق النشاط
-         التنظيم والنشاط
-         التمويل والجباية
-         المراقبة، الإدارة وشفافية الجمعيات.
 
المحور الاول: التكوين والتسجيل:
 
إن الحرية في خلق جمعية دون الاضطرار إلى الإجازة أو الترخيص الإداري المسبق تعتبر الأساس الرئيس لحرية الاجتماع. وهو الإطار الذي تبعث فيه الجمعيات بناء على الإرادة المشتركة للمؤسسين من أعضائها. فالإعلان يمكن تسليمه لمجرد الإعلام، ولا يمكن بحال إخضاع بعث الجمعية لأي شكل من أشكال التدخل المسبق للسلط القضائية والإدارية. وبدون الإقرار بهكذا حرية، يصبح بعث الجمعية معرضا بصورة جدية لخطر الانتقائية واستعمال السلطة التقديرية في خدمة " أحباب" السلطة، ومسوغا للفساد السياسي والإداري.
 
1-                 حرية تسجيل الجمعية من عدمه (الشخصية القانونية) :
أ‌-                     نظم الحرية (مثال، العديد من التشريعات للبلدان الأوروبية) والتي تقر بالحق في تكوين الجمعيات دون إلزامها بوجوب التصريح بها لدى الإدارة عن طريق نظام التسجيل. وبطبيعة الحال، لا يتمتع أعضاء هذا الصنف من الجمعيات بالشخصية القانونية المميزة.
 
ب‌-                  نظم القمع والمراقبة (مثال، كل التشريعات السارية داخل مجموع بلدان جنوب وشرق المتوسط) وهي تفرض على كل الجمعيات وجوب التصريح أو اعتماد نظام الترخيص المسبق. أما الجمعيات غير المصرح بها فهي ممنوعة وتسمى حسب عدد من النظم "الجمعيات السرية" ويمكن أن تتعرض هذه الأخيرة لأقصى العقوبات.
 
 
2-                 حرية التصريح والتسجيل بمجرد الإعلام :
أ‌-                     في نظم الحرية (مثال، المعمول به في البلدان الأوروبية ولبنان والمغرب وتركيا) لا يخضع تكوين الجمعية لشرط الحصول على ترخيص إداري مسبق بل يستوجب فقط مجرد إشعار الإدارة المعنية بتكوينها، باعتماد تصريح كتابي، على أن يتضمن عدد معين من المعلومات المنصوص عليه بالقانون. بمجرد القيام بالإعلام تصبح الجمعية متمتعة بالشخصية المعنوية وبكل التبعات المترتبة على ذلك. لا يعد التصريح الكتابي مطلبا أو التماسا، فهو فقط إشارة على الإدارة بأن تأخذ في اعتبارها ميلاد الجمعية. يعد هذا الدور القاضي بعدم تدخل الإدارة كواحد من أسس الحرية نفسها في ميدان تكوين الجمعيات. ليس للإدارة أن تمتنع عن تسليم الوصل إلا في حالات معينة منصوص عليها قانونا. وهذه الحالات يمكن أن تكثر أو تقل أو أن تكون تعسفية شيئا ما بحسب كل بلد من البلدان المعنية.
 
ب‌-                  في نظم المراقبة (مثال، المعمول بها من خلال الممارسة الإدارية في لبنان) هناك خلاف بيّن بين المبدأ المنصوص عليه في القانون من جهة والممارسة الإدارية من جهة ثانية، حيث يتحول نظام التصريح، عمليا، إلى نظام الترخيص المسبق.
 
 
ت‌-                  في نظم القمع (مثال التشريعات المعمول بها في مصر وسوريا وليبيا) يخضع بعث الجمعيات إلى نظام الترخيص المسبق ويمنح باعتماد السلطة التقديرية الواسعة للإدارة. ترفض الإدارة أحيانا حتى قبول أو تسجيل طلب تكوين الجمعية. ويعد صمت الإدارة في هذه النظم بمثابة الرفض.
 
3-                 الحالات المخولة لرفض التسجيل:
 
أ‌-                     في نظم الحرية (كما هي معمول بها في الدول الأوروبية وفي لبنان والمغرب وتركيا) تعد الحالات المخولة لرفض تسجيل الجمعيات محدودة وخاضعة لشروط وترتيبات شرعية ومطابقة لما نصت عليه المعايير الدولية.
 
ب‌-                  في نظم القمع والمراقبة، تكثر نوعا ما الحالات المخولة لرفض تسجيل الجمعيات ، وتعتمد شيئا من السلطة التقديرية للإدارة المختصة لرفض التسجيل. (مثال تونس، مصر، سوريا وليبيا الخ).
 
 
4-                 المسار الإداري للتسجيل:
 
أ‌-                     في نظم الحرية، تكون فيها الشروط الإدارية للتسجيل ميسرة وقليلة التعقيد.
 
ب‌-                  في نظم القمع والمراقبة، تعد الشروط الإدارية للتسجيل معقدة ومضنية وتستغرق وقتا طويلا. إذ تتعدد التحريات المجراة حول خلفية الأعضاء المؤسسين، وكذلك الشأن للحاجة أو لوجاهة غايات الجمعية المزمع بعثها. كثيرا ما تجري تلك التحريات من طرف الهياكل الإدارية وأحيانا من طرف الهياكل الأمنية (مثال، لبنان، سوريا، مصر، وليبيا الخ).
 
5-                 الطعون الإدارية والقضائية في حالات الرفض أو التباطؤ في التسجيل:
 
أ‌-                     في نظم الحرية، تمارس فيها الطعون الإدارية والقضائية بصورة فعلية.
 
ب‌-                  في نظم القمع والمراقبة، هناك بعض الحالات التي لا يشكل فيها رفض الترخيص أو بالتباطؤ في منحه من طرف الجهات المعنية ، محلا للمطالبة بالتعويض ، وحالات آخرى يتوخى فيها ايجاد توازن ما ، بمعنى ان يحتوي القانون على نصوص تحد من السلطة التقديرية للسلطة الواسعة للإدارة او لجبر البعض من نتائج اختلالاتها  . لذلك، تقر بعض التشريعات بوجوب تعليل الرفض، أو تفرض آجالا معينة للإجابة على الطلب ، أو تعتبر صمت الإدارة هو بمثابة الموافقة. هناك نظم تقر بحق استئناف قرار الإدارة لدى المحاكم. لكن البلدان التي لا يتمتع فيها القضاة باستقلالهم عن السلطة التنفيذية لا تحصل فيها الجمعيات عادة على أحكام منصفة أو لصالحها.
 
6-                 البدائل المؤسسية أمام الجمعيات:
 
أ‌-                     في نظم الحرية (تطبق بأمانة إجراءات السجيل بمجرد الإعلام) فيصبح اللجوء على مؤسسات بديلة عن الجمعية، للتنظم ليس ذي موضوع.
ب‌-                  في نظم القمع والمراقبة، في حالات الحرمان من تكوين الجمعية، كثيرا ما يصبح اللجوء الى بعث مؤسسات بديلة حلا ضروريا، للالتفاف على تجاوزات النظام القانوني الساري أو تلك العائدة لممارسة الإدارة. هذه البدائل هي ممكنة ومسوح بها أحيانا وذلك حسب فاعلية أو درجة قمع أو تسامح السلطات المختصة.
 
·        عندما يكون القانون منتهكا لمبدأ حرية تكوين الجمعيات تلجأ بعض المجموعات لتكوين شركات مدنية بدل الجمعية، وذلك على الرغم من المشاكل المالية المترتبة على ذلك (مثال: مصر والأردن ولبنان). على الرغم من الدراية التامة للسلطات بهذه الممارسة فهي عادة ما تغض عنها الطرف كما ذكر سابقا عن الوضع في مصر ، حيث أن القانون المصري (الذي أبطلت العمل به المحكمة الدستورية العليا)  كان قد منع تحديدا هذا الصنف من الشركات المستعملة كواجهة للجمعيات.
 
·        وعندما تكون الممارسة الإدارية هي المتسببة في انتهاك القانون (مثال لبنان) يمكن لمؤسسي الجمعية إبلاغ تصريح الإعلام للإدارة المختصة عن طريق كاتب العدل، حيث يمكن اعتماد محضر جلسة التبليغ كحجة على الإدارة لاتصالها بالوثائق المنصوص عليها بالقانون وهو الأمر الذي يحمي بالكامل الجمعية من تصنيفها كجمعية سرية.
 
تابع الجزء الثاني أسفل الهوامش

[1] نائب في البرلمان اللبناني، مقرر لجنة البرلمان الخاصة بحقوق الإنسان، محام، أستاذ مكلف بدروس في جامعة "سان جوزيف"، منسق المبادرة العربية من أجل حرية العمل الجمعوي. عودة للأعلى
[2] نستعمل في هذا التقرير ألتأليفي مصطلح "الجمعية" وهي المؤسسة حسب ما تعرف في التقاليد القانونية الفرنسية، لاعتبار تأثير هذه المرجعية على أغلب النظم القانونية في بلدان حوض المتوسط. ومصطلح "الجمعية" يشمل "الكيانان المكونة من عدد معين من الأشخاص اتفقوا جماعيا وبصورة دائمة أن يضعوا معارفهم أو أنشطتهم لخدمة غاية لا تسعى لتحقيق أرباح" وذلك أيا كان الموضوع أو الهدف من الجمعية، فالموضوع في حد ذاته يعتبر معرفا لنوع الجمعية الخاص.
ونلاحظ أن التقارير الوطنية والخاصة بكل بلد والتي اعتمدناها في هذا العمل، لم تتعرض للنقابات ولا للأحزاب السياسية. عودة للأعلى
[3] وذلك هو سبب الاصطلاح عليها بـ"الحريات المهملة"، من طرف "لجنة القانونيين من اجل حقوق الإنسان". عودة للأعلى
[4] أكثر القوانين تحررية في مستوى النص (مثال، لبنان وتونس والجزائر والمغرب) تعتمد كلها وبصورة لافتة ودارجة لعبارة "حرية الجمعيات" وهي تشمل جملة الحقوق الفردية والجماعية. ولكن الترجمة للعربية لـ La liberté d’association جعلت منها "Liberté de créer des association" (حرية الجمعيات أصبحت حرية بعث جمعيات) إذ النسخة العربية للقانون اعتمدت العبارات الأكثر تقييدية: حرية (تأسيس)(تأليف)(تكوين) الجمعيات. بعض الصياغات الأخرى مستعملة (مثلا في مصر والأردن وفلسطين) لصيغ أكثر تقييدا: " حرية تكوين جمعيات" liberté de constituer des associations" أما الدستور السوري فلا يتعرض لموضوع حرية تكوين الجمعيات بل نجد فيه الحديث عن حرية الاجتماع والتظاهر السلمي، ولكنه وبصورة لافتة، يخصص العديد من مواده لجمعيات خاصة، كحزب البعث (المادة 8)، الجمعيات الشعبية والتعاضديات (المادة 9)، المنظمات النقابية والاجتماعية والمهنية (المادة 48) والمنظمات الشعبية (المادة 49). مكا أن بعض دساتير بلدان أخرى تخضع إعمال حق تكوين الجمعيات لوجوب احترام المبادئ السياسية، تتفاوت في دقتها، ومعروضة كقيم دستورية، مثال " نظام المجتمع" في مصر، أو "بناء المجتمع العربي الاشتراكي والدفاع عن نظامه" في سوريا. عودة للأعلى
[5] إعلان عمان حول حرية تكوين الجمعيات لسنة 1999، راجع أيضا: "حرية العمل الجمعياتي في المنطقة الاورومتوسطية، إعلان الدار البيضاء في 2000"، منشورات الشبكة الاورومتوسطية لحقوق الإنسان والجمعية المغربية الديمقراطية للنساء، والمنظمة المغربية لحقوق الإنسان والفضاء الجمعوي المغربي. عودة للأعلى
[6] راجع تقرير الشبكة الاورومتوسطية لحقوق الإنسان : "العدالة في منطقة جنوب وشرق المتوسط" لسنة 2005. عودة للأعلى
[7] وتسمى أيضا : "الإعلان العربي" أو "إعلان عمان". عودة للأعلى
 

   

الجزء الثاني
   
المحور الثاني: الحل وتعليق النشاط
 
يكتسب التهديد بحل الجمعية نفس الأهمية لتكوينها. وإذا ما كان الحل بقرار إداري أو حتى بقرار قضائي (حيث استقلاليته ابعد من أن تكون مضمونة) يصبح قرار الحل بمثابة السيف المسلط على الجمعية من طرف النظام السياسي الذي يوظفه ويستغله لتركيع الجمعيات ووضعها تحت رحمته للإجهاز عليها في الوقت المناسب.
 
أ‌-                     في نظم الحرية (تشريعات معمول بها في الدول الأوروبية وفي لبنان والمغرب وتركيا وإسرائيل) حسب المبدأ الذي لا يخول للإدارة حق إصدار قرار بحل الجمعيات. فلا يمكن أن يصدر قرار بالحل إلا من طرف الهيئة المخولة للجمعية نفسها أو بموجب حكم نهائي بات تصدره السلطة القضائية بعد أن تكون الجمعية قد تمتعت بحق الدفاع في إطار محاكمة علنية وعادلة وفي حالات يضبطها القانون على أن تكون محدودة وينظر في شأنها على جناح السرعة.
 
ب‌-                  في نظم القمع والمراقبة، تتمتع فيه الإدارة المختصة بسلطات تقديرية ، فالحالات الموجبة لحل الجمعية، تبقى شديدة الضبابية ويمكن أن تتذرع بللقانون العام أو للنظام الأساسي للجمعية نفسها في حالة حصول أي تجاوز وإن كان بسيطا . لذلك، فكثيرا ما تتم الملاحقة الجنائية لأعضاء الجمعية ومجلس إدارتها وفي غالب الأحيان بتهم غير متناسبة تماما مع المخالفات المفترضة.
 
 
وعلى سبيل المثال، فإن القانون المصري يجيز عقوبة السجن النافذ لمدة 6 اشهر، زيادة على غرامة مالية تسلط تحديدا على أعضاء مجلس الإدارة وعلى الأعضاء المؤسسين للجمعية عند حدوث المخالفات التالية : الشروع في أي نشاط قبل الحصول على الترخيص المسبق، إشراك أي طرف ثالث في اجتماعات الجمعية، جمع التبرعات دون ترخيص إداري مسبق، عند القيام بمخالفة مهما كانت طبيعتها للقانون العام أو للقانون الأساسي للجمعية، وفي هذه الحالات يمكن لوزير الشؤون الاجتماعية أن يتخذ إحدى الإجراءات التالية:
 
·        تعيين متصرف أو حتى مجلس إدارة كامل لفترة يحددها الوزير.
·        يمكن حرمان المسؤول الظنين أو المسئولين الأظناء  باقتراف تلك المخالفة من الترشح لانتخابات الجمعية.
·        يمكن غلق مقرات الجمعية لفترة يحددها الوزير الى حين أن يبت هذا الأخير في مآل القضية: سواء بتعيين متصرفين، أو بدمج تلك الجمعية في جمعية أخرى ، أو بحل الجمعية نهائيا. وفي صورة حل الجمعية تقوم الإدارة بتحريز الممتلكات وتسلمها لهيئات اجتماعية تختارها بنفسها.
 
للجمعية المنحلّة الحق، نظريا، في الطعن أمام المحاكم. وفي غالب الأحيان، يبقى ذلك الحق معلقا على الصعيد النظري باعتبار أن جميع الوثائق التي يمكن اعتمادها من طرف الجمعية لغيايات الدفاع وتبرئة نفسها من المخالفات الموجهه اليها، لا تكون  بحوزتها بل  محرزة أو أصبحت بين أيدي وزارة الإشراف.
 
المحور الثالث : التنظيم والنشاط
 
تعتبر الجمعية في الدرجة الأولى بمثابة العقد. وإن اشترط لاشتغالها إذن، فيجب أن يوضع بحرية كاملة من قبل أعضاءها لا غير. إن كل تدخل تعسفي أو مخالف للقانون من طرف الإدارة في شؤون هذا الكيان الخاص ليس من شأنه أن يساعد على نمو مجتمع مدني مستقل بذاته، بل يمثل، على العكس من ذلك، سببا في وجود كم من الهياكل التابعة بشكل أو بآخر للإدارة، وذلك على طريقة التفريع والتفريخ لكيانات لا تحصى، هي عبارة عن مصالح إدارية عاملة في المجالات الاجتماعية وحتى السياسية أحيانا.
وكما هو معلوم لا تلتزم كل الجمعيات من ناحيتها، أثناء أداء عملها، بقواعد ومقتضيات الديمقراطية الداخلية والشفافية والاستقامة. وعلى الرغم من ذلك تبقى التدخلات المباشرة للإدارة – والتي لا يحركها الحرص على ديمقراطية إدارة شؤون الجمعية – مخالفة لما يقتضيه احترام القانون. حيث مازالت الأمور بحاجة لإجراء أنواع عديدة من الإصلاحات لإعمال احترام مبدأ حرية تكوين الجمعيات.
1-                 حرية وضع وتحوير القوانين الأساسية (بما فيها ما يخص موضوع الجمعية) والنظم الداخلية :
 
أ‌-                     في نظم الحرية، لا يعد الغايات أو المركز أو الهوية أو الآراء أو عدد الأعضاء المؤسسين موانع لتكوين الجمعية ، فمهما كانت ميادين نشاط تلك الجمعيات أو النوع المصنفة ضمنه، لا تعد هذه الاعتبارات كلها موانع وجيهة أمام ممارسة الحق في بعث الجمعيات. ويتمتع أعضاء الجمعية بمجال واسع من الحرية عند وضع أو تعديل قانونهم الأساسي ونظامهم الداخلي وكذلك عندما يخص الأمر ضبط موضوع نشاط جمعيتهم. ولا تعرض هذه النظم القوانين الأساسية النموذجية على المؤسسين إلا من باب الإعلام والتأشير عليها فقط.
 
ب‌-                  في نظم القمع والمراقبة، لا تتمتع الجمعيات بحرية وضع قوانينها الأساسية ونظمها الداخلية بل عليها الاعتماد على نماذج معدة مسبقا من طرف الإدارة المختصة وكل تغيير  لتلك النماذج، أو كل تحوير لها يستوجب الحصول على ترخيص مسبق من طرف الإدارة.
 
 
كما أن هناك بعض القوانين (كالقانون التونسي) أو بعض الممارسات (كما هو الشأن في لبنان) تسعى لحصر عمل كل جمعية في صنف واحد من الأنشطة. وتعتبر أن كل نشاط يخرج عن العمل المرخص له  هو خرق للقانون، وتلك ممارسة تشكل انتهاكا لمبدأ حرية تكوين الجمعيات وفي لبنان تعد انتهاكا للقانون الساري نفسه.  وفي مصر مثلا، على الجمعية أن تختار مجال نشاط واحد من ضمن قائمة تحتوي على 12 مجالا، سبق التنصيص عليها في القانون. كل نشاط ذي صبغة سياسية هو ممنوع. وعلى كل جمعية تنوي تطوير نشاط ما بين قطاعات متعددة، أن تحصل على ترخيص خاص من وزارة الشؤون الاجتماعية، وعلى النحو ذاته ، فإن المجال الجغرافي للنشاط لا يمكن أن يتجاوز الحدود الجغرافية للمحافظة التي تم داخلها تسجيل الجمعية. حيث لا بد للجمعية من الحصول على ترخيص خاص لتوسيع المجال الجغرافي لنشاطها.
 
2-                 حرية الانخراط أو الانسحاب من الجمعية:
 
أ‌-                     في نظم الحرية، ليس هناك من موانع قانونية تتدخل في مسألة الانخراط أو الانسحاب من جمعية سوى ما ينص عليه القانون الأساسي في باب المقتضيات الخاصة بالعضوية.
 
ب‌-                  في نظم المراقبة والقمع، يمكن لسلطة الإشراف التدخل في انخراط الأعضاء من عدمه من خلال إجراء الفحص المسبق على هوياتهم من قبل الجهات الأمنية (كما هو في سوريا).
 
3-                 عدم التدخل في شؤون هيئات الإدارة وأنشطة الجمعيات:
 
أ‌-                     في نظم الحرية، كما هو في الدول الأوروبية وفي لبنان والمغرب وتركيا، تتم إدارة الجمعية بواسطة الهيئات المنصوص عليها في قوانينها الأساسية ونظمها الخاصة. لا يجوز للإدارة العامة التدخل في سير الاجتماعات أو الانتخابات أو أي من نشاطات الجمعية أو أن تمارس عليها أي من أنواع التأثير.
ب‌-                  في نظم المراقبة والقمع، تتدخل الإدارة المختصة، باستعمال وسائل لا شرعية وشديدة الغرابة تتيسر لها بفضل التشريعات الخاصة والقمعية (مثال ذلك، القوانين الخاصة بتنظيم الاجتماعات العمومية أو الخاصة، أو القوانين الخاصة بالصحافة المكتوبة والإعلام السمعي البصري وانترنت الخ) :
 
·        التدخل في الاجتماعات: يمكن اشتراط الحصول على ترخيص مسبق لعقد الاجتماعات العامة أو الخاصة. وإن حضور مبعوث ممثل للإدارة في كل اجتماع يمكن أن يعتبر شرطا للترخيص في انعقاده، (مثال سوريا وليبيا ومصر والجزائر). على منظمي أي اجتماع في سوريا الحصول على التراخيص المسبقة المنصوص عليها، والتي يمكن حجبها من طرف وزارة الإشراف إذا كانت غايات ذلك الاجتماع غير متوافقة مع أهداف الجمعية.
 
·        التدخل في نشاطات الجمعية (مثال ذلك، فرض إبلاغ هذه الوثيقة أو تلك للإدارة): مثال ليبيا وسوريا والجزائر وتونس وبدرجة أقل في الأردن. في إسرائيل مثلا، وعن طريق إجراءات التسجيل يمكن أن تعتمد من طرف السلطة المخولة لمراقبة أنشطة الجمعيات وهو ما يهدد استقلاليتها بصورة جدية.
 
·        التدخل في تنقلات نشطاء الجمعيات: فسفر احد أعضاء الجمعية للخارج للمشاركة في نشاط عام، يستوجب ترخيصا، كما هو الحال في ليبيا وسوريا وتونس والجزائر.
 
·        التدخل في حق الجمعيات عند الانخراط والعمل مع شبكات إقليمية أو دولية: وسجلنا وجود هذا التقييد في كل من ليبيا وسوريا والجزائر.
 
·        التدخل في المنشورات العامة (بما في ذلك مواقع الانترنت) مثال ليبيا وسوريا ومصر وتونس حيث تنتشر أكثر الانتهاكات المسجلة في مجال حرية التعبير.
 
4-                 المشاركة في الاستشارات والقرارات ذات المصلحة العامة:
 
أ‌-                     في نظم الحرية، تشجع على مشاركة الجمعيات المختصة في مجال وضع السياسات العمومية وخصوصا القطاعية منها (مثال لبنان، حيث تم استشارة جمعيات حقوق الإنسان اللبنانية عند إعداد خطة العمل الوطنية الخاصة بحقوق الإنسان).
 
ب‌-                  في نظم المراقبة والقمع، يتم استبعاد الجمعيات من كل مشاركة.
 
 
5-                 مشاركة النساء في الهيئات الاجتماعية:
 
لم يتعرض أي من التقارير الوطنية الخاصة بكل بلد لوجود تمييز قانوني يخص مشاركة النساء ضمن الهيئات الاجتماعية. ويبقي وجوب الإشارة لشيوع التمييز ضد النساء في الممارسة العملية، التي كثيرا ما تبرر بثقل التقاليد والعادات وبدعوى احترام الأخلاق الحميدة.
 
المحور الرابع: التمويل والنظم الضريبية
 
تعد الترسانة القانونية والنظام الضريبي الخاصة بالجمعيات أدوات جد ناجعة في الاتجاهين، سواء في اتجاه الرفع من فاعلية أنشطتها، أو بعكس ذلك عند استعمالها في اتجاه حصر الجمعيات في موقع التبعية والضعف. والمشكلة بالنسبة للجمعيات هي أن القانون لا يتيح لها سوى هامشا محدودا في مجال حرية التمويل، سواء تعلق الأمر بالموارد المحلية أو الدولية، إلى ما تشهده أنشطتها ونجاعتها من تقليص يحول الجمعية إلى مجرد حلقة ضيقة لمجموعة من المتطوعين ذات إمكانيات جد متواضعة.
 
أ‌-                     في نظم الحرية، للجمعيات الحق في تنمية مواردها المالية بما في ذلك عن طريق الهبات على جانب اشتراكات وتبرعات أعضائها وكذلك عن طريق المساعدات والعطايا من طرف الشخصيات المادية أو المعنوية محلية كانت أو أجنبية. ولتلك الجمعيات الحق أيضا، في تنظيم فعاليات بهدف تحقيق أرباح لتمويل نشاطاتها، شريطة عدم اقتسامها بين أعضائها.
تعرف أغلب التشريعات الخاصة بالجمعيات في المنطقة الاورو-متوسطية بالفارق – في مستوى الوزن القانوني – بين الجمعيات القائمة بمجرد تصريح من جهة و الجمعيات ذات صفة "المصلحة العامة" من جهة أخرى. فالأولى لا يتمتع الا بشبه مقدرة قانونية ، في حين أن الصنف الثاني يتمتع بقدرة أكثر أهمية، ولو أن هذه الأخيرة نفسها تبقى في النهاية ذات وزن قانوني محدود مقارنة بما للأشخاص الماديين أو بما للشركات التجارية. تتمتع الجمعيات ذات صبغة المصلحة العامة، بنظام جبائي مواتي وبتسهيلات تفضيلية للاستفادة من الموارد العمومية، في المقابل -وفيما عدا إمكانية امتلاك العقارات والانتفاع من التوريث وفقا لوصية- فإن جمعيات القانون العام في لبنان تحرم من ذلك بدعوى المشاكل المترتبة عن محدودية قدراتها القانونية، وهي حجة ليس لها إثبات في الواقع ، و لا توجد أي ضوابط تحول دون تمتع الجمعيات في لبنان بالتمويل الأجنبي.
 
ب‌-                  في نظم المراقبة والقمع، توضع الميزانيات المالية للجمعيات تحت مراقبة الإدارة ذات الاختصاص وهو الأمر الساري على كل الجمعيات مهما كان مجال نشاطها. يخضع الاعتراف بصفة "المصلحة العامة" إلى اعتبارات تعطي للإدارة ذات الاختصاص هامشا واسعا لممارسة سلطتها التقديرية. ونجد نفس الهامش للسلطة التقديرية ضمن باب تمتع الجمعيات بالمال العمومي. يخضع كل تمويل أجنبي إلى وجوب الحصول على ترخيص مسبق. ويمكن أن تتعرض الجمعيات المخالفة في هذا المجال لأشد القمع. وكذلك فإن جمع التبرعات الخاصة ومهما كانت صبغتها سواء (من الاعضاء ، أو من خلال أعمال خيرية، أو تنظيم الحفلات والأنشطة الرياضية.. الخ ) فهي ممنوعة وتستوجب ترخيصا مسبقا ، مثلا في تونس والجزائر، على الجمعيات أن تكشف على مصادر تمويلها وعن أغراضها ، ويعتبر كل تمويل أجنبي ممنوع في ليبيا وسوريا.
 
المحور الخامس: المراقبة والإدارة والشفافية :
 
لا يمكن فهم الحرية في تكوين الجمعيات في ظل غياب الإدارة الرشيدة والمراقبة. وبالفعل ، يشكل ضمان إدارة رشيدة معززة بشفافية الحسابات، إلى جانب المراقبة الداخلية والخارجية الفعالة، معايير من شأنها رفع مصداقية الجمعيات لدى الرأي العام وزيادة شرعيتها لدى أعضائها ولدى المجتمع.
 
1-                 سلطات المراقبة والحرية:
 
أ‌-                     في نظم الحرية، تخضع الجمعيات إلى مراقبة داخلية وخارجية من طرف العديد من الجهات. وهكذا فإن على الجمعيات تحمل مسؤولياتها تجاه كل شخص معني بمساءلتها وفي حدود المصلحة التي تخصه، وتشكل تلك المصلحة سببا كافيا لإطلاق عملية المراقبة التي يمكن أن تقوم بها الهيئات والجهات التالية:
 
·        أعضاء الجمعية، حين يتعلق الأمر بسلامة تسيير شؤونها.
·        الرأي العام والمجتمع في الحالات التي تستوجبها المصلحة العامة ، او الشرعية ، أو الأمور التي لها علاقة بنشاط الجمعية (مثال، التثبت من مدى شفافية حساباتها المالية، كلما تقدمت الجمعية بطلب تمويل عن طريق المنح العمومية).
·        من طرف محاكم الحق العام.
·        الإدارة العمومية (وفقط للمراقبة الجبائية)، وفي حدود ما تمتع به الجمعية من امتيازات ونظم جبائية خاصة.
 
ب‌-                  في نظم المراقبة والقمع، حيث للإدارة العمومية أدوار مبالغ فيها ولا تحدها ضوابط.
 
2-                 العقوبات:
 
أ‌-                     في نظم الحرية، يعتمد فيها على مبدأ النسبية بين العقوبة وبين طبيعة المخالفة المستوجبة لها، ولا تخضع الأنشطة المدنية للجمعية أو لأعضائها للأحكام الجنائية. وفي كل الحالات، لا يجوز لغير السلطة القضائية إصدار تلك الأحكام. إذ لها ذلك بعد ضمان حق الدفاع في إطار محاكمة علنية ومنصفة.
 
ب‌-                  في نظم المراقبة والقمع، والتي تمتاز بسمة رئيسية، هي إصدار أقصى العقوبات على ابسط المخالفات والتي يمكن أن تصل إلى حد الحكم بالسجن النافذ (في ليبيا، الجزائر، سوريا، تونس ومصر)، وإلى حد حكم الإعدام (في سوريا وليبيا).
 
 
الخلاصة:
 
يبدو جليا من خلال التحليل الذي تقدم، مدى الأخطار، هذا إذا لم نقل، الكارثة التي نحن بصددها، والتي يسببها قانون الجمعيات الجائر في بلدان جنوب وشرق المتوسط بانتهاكاته المنهجية لمبدأ الحرية في تكوين الجمعيات. إن كل مسعى لمساعدة هذه البلدان في اتجاه توفير هامش أكبر للديمقراطية، واحترام دولة القانون وضمان التنمية المستدامة إلى جانب تعزيز استقلالية وفاعلية المجتمع المدني ، يجب أن يمر بالضرورة عبر فرض حق تكوين الجمعيات وتوفير ما يقتضيه هذا الحق من حرية. وهي المهمة العاجلة والحيوية لأكثر من بلد.
 
وبهذا الصدد، يتوجب مضاعفة الجهود علي مستوى توعية المجتمع، وبالخصوص التركيز على رجال ونساء القانون، وذلك حول مسائل تتعلق بطبيعة الحرية الخاصة بتكوين الجمعيات، وبالذات حول مداها وحول المبادئ والمعايير المطلوبة لإعمال الحق في تكوين الجمعيات. نقول ذلك باعتبار أن ألد الأعداء في هذا المجال هو الجهل بالشيء وحالة عدم الاكتراث به. وعلى ذلك، ينبغي وضع توصيات عملية خاصة بكل بلد، تكون قاعدة لخوض تحركات هادفة ومركزة ومتأقلمة مع سياقات وحاجيات كل بلد ، حيث تعاني بعض البلدان من الانغلاق في حين تتمتع أخرى بطاقات كامنة واحتمالات تطور من شأنها أن تساعد على القبول ببعض الإصلاحات وتحقيق ولو نزر قليل من النتائج المرجوة.
 
إن العمل الذي ندعو إليه والجهد المطلوب، ليس من قبيل الترف القانوني أو النزعة المتثاقفة المتعالية، بل السعي الى إبراز الأهمية القصوى التي يحتلها القانون، فإرادتنا هي أن نحول القانون إلى أداة فعالة للتنمية الديمقراطية والاجتماعية ، وأن لا نعتبره فقط وسيلة للقمع في حوزة الأنظمة السياسية الحاكمة.